خواجه نصير الدين الطوسي
29
تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل
قال : فقد لاح أنّ أجلى البديهيّات قولنا « النّفى والاثبات لا يجتمعان ولا يرتفعان » . أقول : لا شك في أنّه أجلى من غيره ، ولذلك سمّاه الحكماء بأوّل الأوائل يعنى في الوضوح ، وكونه أوضح يدلّ على وضوح غيره ، ولا يدلّ على احتياج غيره في الوضوح إليه . قال : وإنّما قلنا إنّه غير يقينىّ لوجوه : أحدها : أنّ هذا التّصديق موقوف على تصوّر أصل العدم ، والنّاس قد تحيّروا فيه ، لأنّ المتصوّر لا بدّ وأن يتميّز عن غيره والمتميّز عن غيره متعيّن في نفسه ، وكلّ متعيّن في نفسه فهو ثابت في نفسه . فكلّ متصور ثابت في نفسه ، فما ليس بثابت فغير متصوّر ، فالمعدوم غير ثابت ، فلا يكون متصوّرا . وإذا كان ذلك التّصديق متفرعا على هذا التصوّر ، وكان هذا التصوّر ممتنعا ، كان ذلك التّصديق ممتنعا . أقول : النفي هو رفع الاثبات ، ورفع الاثبات لا يكون عين الاثبات ، ورفع الاثبات الخارجيّ إثبات ذهنيّ منسوب إلى لا إثبات خارجي ، وكونه في الذهن متصوّرا ومتميّزا عن غيره ومتعيّنا في نفسه وثابتا في الذّهن ، لا ينافي كون ما هو منسوب إليه لا ثابتا في الخارج . فالحكم بأنّ ما ليس بثابت في الخارج غير متصور مطلقا باطل ، لانّه متصور من حيث انّه ليس بثابت في الخارج ، غير متصور لا من حيث هذا الوصف ، وذلك التصديق موقوف على هذا التصور من هذه الحيثيّة لا على ما نسب إليه هذا الوصف ، ولذلك لم يكن ممتنعا . قال : لا يقال : المعدوم المتصور له ثبوت في الذهن ، لانّ قولنا « المعدوم غير متصوّر » حكم على المعدوم بأنّه غير متصور ، والحكم على الشيء يستدعى كون المحكوم عليه متصورا ، فلو لم يكن المعدوم متصورا لامتنع الحكم عليه بأنّه غير متصوّر .